ابن كثير
21
البداية والنهاية
عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من أمر دمشق ، فجاءه الكتاب يأمره بالمسير إليها ، فساروا إليها حتى أحاطوا بها . واستخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب ( 1 ) في خيل هناك . وقعة جرت بالعراق بعد مجئ خالد إلى الشام وذلك أن أهل فارس اجتمعوا بعد مقتل ملكهم وابنه على تمليك شهريار ( 2 ) بن أزدشير بن شهريار واستغنموا غيبة خالد عنهم فبعثوا إلى نائبه المثنى بن حارثة جيشا كثيفا نحوا من عشرة آلاف عليهم هرمز بن حادويه ( 3 ) ، وكتب شهريار إلى المثنى : إني قد بعثت إليك جندا من وحش أهل فارس إنما هم رعاة الدجاج والخنازير ، ولست أقاتلك إلا بهم . فكتب إليه المثنى : من المثنى إلى شهريار إنما أنت أحد رجلين إما باغ لذلك شر لك وخير لنا ، وإما كاذب فأعظم الكاذبين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس الملوك ، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم ، فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير . قال : فجزع أهل فارس من هذا الكتاب ، ولاموا شهريار على كتابه إليه واستهجنوا رأيه . وسار المثنى من الحرة إلى بابل ، ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عدوة الصراة الأولى ( 4 ) ، اقتتلوا قتالا شديدا جدا ، وأرسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين ، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله ، وأمر المسلمين فحملوا ، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلا ذريعا ، وغنموا منهم مالا عظيما ، وفرت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة ، ووجدوا الملك قد مات فملكوا عليهم ابنة كسرى " بوران بنت أبرويز ( 5 ) " فأقامت العدل ، وأحسنت السيرة ، فأقامت سنة وسبع شهور ، ثم ماتت ، فملكوا عليهم أختها " آزرميدخت زنان " فلم ينتظم لهم أمر ، فملكوا عليهم " سابور بن شهريار " ، وجعلوا أمره إلى الفرخزاذ بن البندوان فزوجه سابور بابنة كسرى " آزرميدخت " فكرهت ذلك وقالت : إنما هذا عبد من عبيدنا . فلما كان ليلة عرسها عليه هموا إليه فقتلوه ، ثم ساروا إلى سابور فقتلوه أيضا ، وملكوا عليهم هذه المرأة وهي " آزرميدخت " ابنة كسرى . ولعبت فارس بملكها لعبا كثيرا ، وآخر ما استقر أمرهم عليه في هذه السنة أن ملكوا امرأة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " . وفي هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السعدي ، وكان قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل هذه ، فلما آيسته رجع إلى البادية وقال :
--> ( 1 ) وهو بشير بن كعب بن أبي الحميري . ( 2 ) في الطبري : شهربراز وفي الكامل : شهريران . ( 3 ) في الطبري والكامل : جاذويه . ( 4 ) في الطبري : الصراة الدنيا . ( 5 ) في الطبري والكامل : دخت زنان ابنة كسرى .